السيد محمد تقي المدرسي

218

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

رابعاً : سنّة الأولين ، فمن خلال الاعتبار يصل الانسان إلى تفاعل بين النفس والمعرفة ، ويندمج العلم بالعمل ، ويتناغم الموضوع والذات ، ويقترب الانسان إلى معرفة السنن الإلهية التي جرت في الأولين ، وان من نجا كيف نجا ومن هلك كيف هلك . . كيف تكون العبرة طريقاً إلى معرفة السنن ( القوانين الاجتماعية ) ؟ لعلّ ذلك يتمّ بعد الغاء الحاجز الزمني بين الماضي والحاضر ، والغاء الحاجز المصطنع بين الموضوع والذات ، فيصل القلب إلى الحقيقة المطلقة من دون حجاب . جيم - العدل جوهر القيم : ماذا تعني كلمة العدل ؟ انها تعني إعطاء كل ذي حق حقّه ، والقضاء بين الناس بما أراه الله من الحق وعدم اتباع الهوى « 1 » . ولكي يعدل الانسان بين الناس فإنه بحاجة إلى أربعة أمور هي : فهم عميق ، وعلم غزير ، وصواب في الرأي ، وضبط للعواطف . والايمان بالله سبحانه يورث هذه الخصال ، كيف ذلك ؟ ذلك أن : اولًا : غائص الفهم ، فالمؤمن الذي يكشف - بإيمانه - حجب الكبر والجحود ، ويطلع على غيب الشهود ، إنّه يؤتى غائص الفهم ، أرأيت كيف يغوص طالب اللؤلؤ في عمق البحار ؟ ، كذلك المؤمن لا يقف عند حاجز الشهود الظاهر ، بل يسعى ابداً لفهم الحقيقة بالغوص في الحقائق ، والاطلاع على الماورائيات ، من هنا جاء في حديث الإمام علي - عليه السلام - في تعريف العدل انه يقوم على غائص الفهم ، وجاء في بعض نسخ الحديث ، « على غامض الفهم » والفهم الغامض هو الفهم لما غمض وخفي . ثانياً : غور العلم ، فعندما يؤتى المرء غائص الفهم ، يصل إلى غور العلم ، فلا يكون علمه سطحياً قشرياً ، بل يغور في الاعماق ليبلغ لبّ الحقيقة . والعلم العمق ( غور العلم ) هو العلم الغامر ( حيث جاء في بعض النسخ ) . ثالثاً : زهرة الحكم ، حيث تكتمل عند المؤمن شروط الحكم الصائب ، الذي طلبه

--> ( 1 ) - قال العلامة المجلسي في موسوعة البحار المجلد 65 الصفحة ( 369 ) قال : كأن المراد بالعدل هنا ترك الظلم ، والحكم بالحق بين الناس ، وانصاف ( ان ينصف الانسان ) الناس من نفسه ، لا ( وليس المراد من كلمة العدل هنا ) ما هو مصطلح الحكماء من التوسط في الأمور . .